الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَنْ تبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين.
مقدمة
- اتَّفقت الهيئات الصحيَّة العالمية على تعريف علمي حديث لكلمة "الصحة": بأنها تحسين حالة الإنسان جسميًّا، ونفسيًّا، وعقليًّا، ومعيشيًّا، وليْسَتْ مُجرَّد غياب المرض، والوقاية منه، "والطِّبّ الوقائي": هو علم المحافظة على الفرد والمجتمع في أحسن حالاته الصحيَّة.
- وينهض الطب الإسلامي وقاية وعلاجًا ؛ لتحقيق هذا الهدف بمجموعة من التَّعاليم والإرشادات والإجراءات؛ لوقاية الإنسان من الأمراض السَّارية والوَافِدة قبل وقوعها، ومنع انتشار العَدْوى إذا وجدتْ، وأيضًا تَحسين ظروف معيشة الإنسان، ومَنْع الحوادث وأسباب القلق والتَّوتر العصبي.
- فضلاً عن نظرة الإسلام إلى التَّداوي والأخذ بالأسباب؛ ذلك أنَّ التَّشريع الإسلامي يتميَّز عن كل ما سبقه من شرائع سماويَّة، - بأنَّه جاء للدين والدنيا معًا ؛ فَلَمْ يقتصر على الجانب الروحاني، أو التَّعبدي وَحْدَهُ، ولا على الجانب الدُّنيويّ أو المادِّيّ وحده كذلك؛ ولكنَّه الدين الوحيد والتَّشريع الإلهي الذي أقام على ظهر هذه الأرض دولة وحكومة، وهي دولة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، ثم دولة الخلفاء الرَّاشدين من بعده،... وهكذا.
ومن الحقائق الإيمانيَّة أنَّ التَّشريع الإسلامي قد نزل بكافَّة المبادئ والأصول الكليَّة، ثم المقرَّرات العامَّة لإدارة هذه الدَّولة في نظام محكم دقيق ، يقول الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}، ويقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}، ويقول {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}.
وبطبيعة الحال فقد عالج هذا النظام - المستمدّ أصوله من القرآن والسنة - أوجه الحياة المختلفة: سياسةً، واقتصادًا، واجتماعًا، وأخلاقًا، وصحَّةً.
وكان - ولا يزالُ - له حكم أو توجيه في كل هذه المجالات وغيرها، علِمه مَن علِمه، وجهِلَه مَنْ جهِله، وهذا واضِحٌ من الآية السابقة {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} بإطلاق.
ومن ثمَّ يُمْكِن القَول بأنَّ الإسلامَ هو الدين الوحيد الذي نظَّم مهنة الطب والعلاج، وصحة المجتمع ، وسوف نعرض - فيما يلي - لأبرز تشريعات الإسلام في هذا المقام، من خلال مطالب أربعة على النَّحو التَّالي:
المطلب الأوَّل: صحَّة البيئة ونظافتها.
المطلب الثاني: منع العدوى.
المطلب الثالث: التَّغذية السليمة.
المطلب الرَّابع: الاستعانة بوسائل العلاج المتاحة.
المطلب الأول: صحة البيئة ونظافتها
في التَّشريع الإسلامي طائفة من الأوامر والإرشادات المتعلقة بِهذا الجانب المؤثر - بالتَّأكيد - في صحة الإنسان "سلبًا وإيجابًا" - كما سيتَّضِحُ من مُجْمَل هذه الدِّراسة - ونذكر من هذه التَّوجيهات الإسلاميَّة ما يلي:
1- نظافة البدن: بوجوب الغسل بعد الجِماع، ولو بدون إنزال، وعقب نزول المني بِجماع، أو احتلام، ثمَّ عند انقطاع دم الحيض والنفاس، هذا فضلاً عن الأغسال المستحبَّة أو المسنونة في مناسبات، ولأسباب معينة - كما قرَّر الجمهور من الفقهاء- وذلك كغسل الجمعة، والعيدين، ويوم عرفة، والغسل من غسل الميت.
ثُمَّ هُناك وجوب الاستِنْجاء بعد البَوْلِ والغائط، والوضوء للصَّلاة، وهذه كلُّها من مُقتَضَيَات الصِّحَّة الجسديَّة، وكذلك عدم إتيان النساء في المحيض، إلى جانب تحريم الزنا واللواطة والشذوذ، وطبعًا في كلِّ هذه المسائل المتقدِّمة نصوصٌ صريحةٌ وقاطعة، سواء من القرآن، أوِ السنَّة المطهَّرة مِمَّا لا يتَّسع المجال لذِكْر طرف منها، مكتفيًا بِما سَيَرِدُ تباعًا في البحث.
ومن جهةٍ أخرى فإنَّ الإسلام لا يكتفي بالاستِحْمام (عند وجود دواعي الغسل)؛ كسبيلٍ لِنَظافة الجسم؛ بل إنَّه يأْمُر بإزالة كلِّ ما يُمْكِن أن تتجمَّع تَحتَهُ، أو تعلق به قذارة أو ميكروبات في جسمه، وذلك كالأوامر المتعلقة بالاستحداد، أي إزالة شعر الإبط والعانة، وكذا الختان، وتقليم الأظافر، وقص الشَّارب، والسواك.
2- نظافة الأيدي والأقدام: فالأيدي من أهم الأعضاء التي تنقل المرض عند السَّلام على المريض، أو عند نقل طعام مُلَوَّث، أو زبالة، أو حتَّى بعد الذهاب إلى الغائط عندما يكون الشَّخص نفسه مريضًا؛ فبعض الديدان تنتقل من نفس الشَّخص المصاب - عند التَّبرز - إلى فمه، حين يتناول شيئًا من طعام، أو غيره إذا لم يغسل يديه جيدًا؛ ومن ثمَّ فقد عني الإسلام بنظافة الأيدي؛ فأمر بقص الأظافر وتنظيفها، وعقد الأصابع ومعاطفها، وما أبلغ دلالة الحديث النَّبوي: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنَّه لا يدري أين باتت يده)) ، فقد يحك النائم بيديه قدمه، أو أنفه، أو بين فخذيه.
هذا؛ ونظافة الأقدام يسري عليها ما يسري على اليدين، ومن السنَّة تخليل ما بين أصابع اليدين والقدمين، سواء في الوضوء أو في الغسل.
3- نظافة الفم والأسنان والأنف: وأعتقد أنَّ كلَّ مسلم يعرف أنَّ المضمضة والاستنشاق، فالاستنثار - أيضًا الاستياك - من سنن الوضوء؛ بل من موجباته عند بعض الفقهاء.
والمضمضة - باختصار -: أن يجعل الماء في فمه، ثم يديره أو يحركه، ثم يخرجه.
والاستنشاق: إدخال الماء في أنفه، والاستنثار: إخراجه منه منتثرًا أو متفرقًا، سواء كان الاستنشاق باليد اليمنى، والاستنثار باليسرى، أو كلاهما بيد واحدة.
أمَّا الاستياك فيطلق على دَلْك الأسنان بعود الأراك ونحوه - من كل خشن - ليذهب الصُّفرة وبقايا الطعام وغيرهما عنها، وهو مُسْتَحَبٌّ في جميع الأوقات؛ لكنه أشد استحبابًا في خمسة أوقات، عند الوضوء، وعند الصلاة، وعند قراءة القرآن، وعند الاستيقاظ من النَّوم، وعند تغير رائحة الفم.
والنصوص في كل ما سبق أكثر من أن تحصى؛ لكن حسبي أن أرشد إلى المغزى الطبي الخطير من نظافة الفم والإسنان؛ فإنَّ بقايا الطعام إذا تُرِكت في الفم فإنها تنتنه، وإذا دخلت بين الأسنان حملت معها الالتهابات وفسدت؛ فلا يجوز بلعها، وإذا تركت سبَّبت الرَّوائح الكريهة وتسوس الأسنان.
ولذلك يذكر العلماء من فوائد السلوك، وهي كثيرة جدًّا - أنَّه يطهر الفم، ويرضي الرَّب، ويبيض الأسنان، ويطيب النَّكهة، ويسوي الظَّهر، ويشد اللثة، ويقوي على الهضم، ويدر البول، ويبطئ الشيب، ويصفي الخلقة، ويزكي الفطنة، ويسهل خروج الروح.
أمَّا بخصوص نظافة الأنف: فاعلم أنَّ معظم الميكروبات التي تنتقل إلى الإنسان بالرَّذاذ، مثل: الأنفلونزا، وشلل الأطفال، والدفتريا، وكثير غيرها يصل الميكروب إلى الأنف والحلق أولاً، ومن هناك ينتقل على داخل الجسم فيصيبه بالمرض، وهذا الغسيل المتكرر لهما (الحلق والأنف) - في الوضوء - يجرف معه تلك الميكروبات إلى الخارج، ويقي الإنسان منَ المرض.
4- نظافة الشَّعر والملابس: فالإسلام لا يكتفي بالغسل المتكرر في نظافة الرَّأس؛ بل يأمر أيضًا بالعناية بالشَّعر غسلاً، وتسريحًا، وتعطيرًا، فهو "خير من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان"، وفي الحديث الصَّحيح: ((من كان له شعر فليكرمه)).
ومن روائع التَّشريع الإسلامي كذلك أنَّه يشترط لصحَّة الصَّلاة طهارة البدن، والثَّوب، والمكان؛ فلا يقبل من المسلم صلاة ولا وضوء إذا كان بثوبه قذارة، أو نجاسة وهو يعلم، ويلزمه بإزالتها، وإزالة رائحتها، ولونها، أو أثرها - ما أمكن - ولو بغسل الثَّوب عدَّة مرَّات.
5- نظافة الطَّعام والشَّراب: وعن عناية الإسلام بهذا المجال حَدِّث ما شئت؛ فلقد بلغت توجيهاته - في هذا المقام - درجة عظيمة من الدقَّة العلميَّة، فضلاً عن اشتمالها على الكثير من الحقائق العلميَّة والطبيَّة التي لم تكتشف إلاَّ في عصرنا الحديث، مع أنَّه ترجع إلى ما يزيد على أربعة عشر قرنًا، وحسبُنَا أن نقرِّر الآتي:
أ- أنَّ الإسلام يأمر أتباعَه بأن يغطوا إناء الطَّعام، وأن يسدوا وعاء الماء، فلا يتركوه مكشوفًا للأتربة، والذُّباب، والميكروبات، ففي حديث جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أغلقوا الباب، وأوكوا السقاء، وأكفئوا - أو خمروا - الإناء، وأطفئوا المصباح؛ فإنَّ الشَّيطان لا يفتح غلقًا، ولا يحل وكاء، ولا يكشف إناء، وإن الفويسقة تضرم على النَّاس بيتهم)) .
وقفة تأمُّل :
من الحقائق التي لم تكن معروفة إلاَّ بعد اكتشاف "الميكروسكوب" و"الميكروب"، وطرق انتقال العدوى - أنَّ بعض الأمراض المُعدية تنتقل بالرَّذاذ عن طريق الجو المحمَّل بالغبار - أي الذر - وأنَّ الميكروب يتعلَّق بذرات الغبار عندما تحملها الريح، فيصل بذلك من المريض إلى السليم عن طريق فمه، وأنفه، وآنية طعامه وشرابه.
و من هذه الحقائق أيضًا أنَّ الأمراض المُعدية تسري في مواسم معيَّنة منَ السَّنة؛ بل إنَّ بعضها يظهر كل عدد معيَّن من السَّنوات، وحسب نظام دقيق، لا يُعْرَف تعليله حتى الآن.
ومن أمثلة ذلك أنَّ الحصبة وشلل الأطفال تكثر في سبتمبر وأكتوبر، والتَّيفويد يكثر في الصيف، أمَّا الكوليرا فإنَّها تأخذ دورة كل سبع سنوات، والجُدَري كل ثلاث سنوات تقريبًا.
وكم نتمنَّى أن يلزم الباعة المتجوِّلون، ومحلات البقالة، والخضر، والفاكهة، وجميع المطاعم بأن يكتبوا هذه الأحاديث في لوحة كبيرة تعلق داخل متاجرهم؛ لكي تذكرهم بتغطية الأطعمة والأشربة من الذباب، أو وضعها داخل عارضات زجاجيَّة مغلقة غلقًا جيدًا، وأن يعتبروا ذلك من أوامر الدين، قبل أن تكون من أوامر وزارة الصحَّة وقسم الطب الوقائي... وما إلى ذلك.
فنحن لو نفَّذنا أوامر ديننا الحنيف وحدها لكفانا ذلك نقد الأوربيين الذين أصبحوا يعتقدون أنَّ الزبالة والذباب، في شوارعنا ومحال الطعام هما جزء من ديننا.. وحاشاه ذلك.
ب - كما يحرص الإسلام على نظافة أواني الطَّعام والشَّراب قبل وضع الطَّعام فيها، أو بعد استعمالها، فأمَّا قبل وَضْع شيء فيها فلضمان طهارتها، وخلوها من أي ميكروبات، وأمَّا بعد وضع شيء فيها فلإزالة بقايا الطعام، وهي التي سرعان ما تفسد ويختبئ فيها الميكروب.
و لذلك وجدنا مثلاً - من هديه - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرَّات إحداهنَّ بالتُّراب))، أو كما قال.
و لقد اكتشف العلماء في العصر الحاضر - كما أثبتت الأبحاث الطبيَّة فعلاً - أثر التراب الفعَّال في قتل وإزالة الميكروبات والجراثيم التي تكون في لُعَاب الكلب.
ويُبَيِّن أحد العُلماء المحدثين مدى الحكمة والرَّحمة بالمؤمنين في هذا الحديث بقوله: والعدد المقصود بالسبعة إنَّما هو لتحقيق تَكرار الغسل، وأمَّا التراب فهو أقرب المواد المنظفة للإنسان وأيسرها، وهي بلا مقابل، وذلك حتى لا يتأخر إنسان في غسل إنائه إذا ولغ فيه الكلب انتظارًا لتوفُّر المنظف، أو ما يشابهه.
ولا شكَّ أنَّ العلم الحديث قد أوضح أن لعاب الكلب يحمل من الميكروبات والجراثيم كميات لا تخطر على بال؛ ولعل ذلك يرجع إلى دوام شم الكلب ما على الأرض بما يحمله من جراثيم، خصوصًا القمامة، والفَضَلات بأشكالها، وأيضًا لدوام فتح فمه، فهو لا يغلقه أبدًا - إلا عند النوم - مما يعرضه أكثر للميكروبات.
أمَّا أخطر من ذلك كله فهو مرض الكلب، الذي ينقله الكلب للإنسان وهو أخطر الأمراض وأكثرها فتكًا بمن تصيبه، ولا ينتقل بالعَضّ فقط - كما كان يظن - بل إنَّ ميكروبه في لعابه، وقد ينقله للإنسان عن طريق إفرازه اللعابي فقط دون العض، ولذلك فإنَّ الوقاية من هذا المرض - وغيره من الأمراض التي تنتقل عن لعاب الكلب - هي بغسل كل ما يلعقه، أو يقترب منه لعابه غسلاً جيدًا، وهذا لا يتأتَّى إلاَّ بتكرار الغسل، وباستعمال مطهر أرخصه وأكثره توافرًا هو التراب، وذلك علاوة على أنَّ البحث العلمي قد أثبت أنَّ التراب له خاصية التَّغلب على ميكروب الكلب.
وهكذا يسبق الحديث كل ما وصل إليه العلم في آخر أبحاثه بأربعة عشر قرنًا من الزمان، وبطبيعة الحال فإنَّ هناك موادَّ أخرى نَجِسَة يجب غسل الأواني وغيرها منها.
ج – أ مَّا بِخُصوص نظافة الشَّراب، فاعلم أنَّ الإسلام قد اهتمَّ بنظافة الماء والحليب، وسائر أنواع الشراب المباح شرعًا، فوضع شروطًا دقيقة لطهارته، كما كانت له إرشادات سامية في كيفيَّة الشرب وتبادُلِه، ونذكر من هذه وتلك ما يأتي:
أولاً : أنَّ الفقهاء أجمعوا على أنَّ الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيَّرت له طعمًا، أو لونًا، أو رائحةً، فإنَّه يتنجَّس، ولا يجوز استعماله في شراب أو طهارة.
ثانيًا : أنَّ الشَّراب المباح في أصْلِه إذا تخمَّر أصبح نجسًا عند جمهور الفقهاء، فلا يجوز شربه، لورود النَّهي في القُرآن والسنَّة عن شُرب كل مُسْكِر ومفتر.
ثالثًا: نَهَى الإسلام أن يضعوا أفواههم على مصدر الشَّراب، ففي حديث لأبي هُريْرة، وابن عبَّاس - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنِ الشرب من في - أي: فم - السقاء، وفي حديث السيدة عائشة - رضي الله عنها - زيادة: ((لأنَّ ذلك ينتنه))، أمَّا رواية أبي سعيد ففيها: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اختناث الأسقية"، أن يشرب من أفواهها، وفي رواية: ((واختناثها أن يقلب رأسها ثم يشرب منه)).
وسواء كان النَّهي للتَّحريم أو للكراهة، فالمُهِمّ أنَّ لذلك دلالة صحيَّة وقائيَّة؛ حيث إنَّ كثيرًا منَ الأمراض - كما هو مَعْلوم - ينتقل بهذه الوسيلة منَ المريض إلى السَّليم عن طريق اللعاب، والشَّفتين، ومن هذه الأمراض: الإنفلونزا، والدفتريا، والسَّيَلان، والزُّهري، والإيدز، وغيرها كثير.
رابعًا: ويُلاحظ - كذلك - ما ورد في السنَّة الصَّحيحة من نَهْي صريح عنِ التَّنفس أوِ النَّفخ في الإناء - وهو يشرب منه؛ لئلاَّ يخرج من الفم بُزَاق أو لُعَاب - يستقذره من شرب بعده منه، أو تحصل فيه رائحة كَريهة تتعلَّق بالماء، أو بالإناء.
ولأنَّ بعض الميكروبات قد تنتقل مع النَّفَس، وتعيش في السَّوائل أكثر مما تعيش في الهواء الخانق.
6- نظافة موارد المياه، مثل: الأنهار، والآبار، والبِحار، والعناية بشواطئها، فكما كانت للإسلام توجيهات في نظافة الشَّوارع، والطُّرقات، والبُيُوت - لا غَرْو أن يُنبِّه بشدَّة على عدم تلويثِ مصادر المياه، التي تستعمل للغسيل، والشُّرب... أو غير ذلك، ثمَّ هو قد نهى عنِ التَّخلي - أي التَّغوط، وهو التَّبرز - في طريق الناس، وفي ظلهم، ومنع إلقاء الزبالة، أو النجاسة فيها، وحرَّم التَّبول، أو التبرز فيها، واعتبر ذلك مجلبة للطَّرد من - رحمه الله تعالى - يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((اتَّقوا اللاَّعنين))، قالوا: "وما اللاَّعنان يا رسول الله؟!"، قال: ((الذي يتخلَّى في طريق النَّاس أو في ظلهم))، وفي رواية: ((وأفنيتهم أو مجالسهم)).
ورُوِي أيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((اتَّقوا الملاعن الثَّلاث: البُراز في الموارد، وقارعة الطَّريق، والظِّل)).
ثم هو - صلى الله عليه وسلم - قد ((نهى أن يُبال في الماء الرَّاكد))، أوِ الدَّائم الذي لا يجري، وقال أيضًا: ((لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم ثمَّ يغتسل منه)).
وهو - عليه السَّلام - الَّذي اعتبر البُصاق في المسجد خطيئة، ولعلَّ الحِكْمة من ذلك أنَّ البُصاق قد يكون مشتَمِلاً على ميكروب مُعْدٍ - كميكروب السُّل – ((الظاهر أنه لتوقير المسجد)) فتنقله الريح إلى السَّليم، ورغم أنَّ الحديث خصَّ أرض المسجد بالذِّكر فهو يعم طُرق المسلمين جميعًا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((جُعِلتْ لي الأرضُ مسجدًا، وتُربتُها طهورًا)) ، وقد جزم النَّووي بالمنع - أي منع البُصَاق - في كل حالة؛ داخل الصلاة وخارجها، سواء كان في المسجد أو غيره.
وإذا كانت تلك الأحاديث - وما في معناها - من مكارم الأخلاق تحث على النَّظافة، وتحرم مثلاً "التَّخلي في طريق النَّاس وظلهم؛ لِمَا فيه من أَذِيَّة المسلمين بتنجيس من يمر به ، ونتانته ، واستقذراه)) ، فإنَّ كثيرًا من الأوبئة مثل: الكُولِيرَا، والتَّيفويد، وشلل الأطفال، والْتِهاب الكبد المُعدي، قد تنتقل بالماء وتعيش فيه، وإنَّ البلهارسيا تنتقل إلى الماء - عند التَّبوُّل فيه - وبعد أن تتطوَّر في الماء تنتقل إلى من يستحم أو يشرب منه، أمَّا الإنكلستوما فإنَّها تخرج مع البُراز وتعيش في الطِّين قُرْب الشَّاطئ إلى أن تصل إلى جسم السَّليم.
وقد أصبح معلومًا أنَّ من أهم أسباب حِرْص الطِّب على النَّظافة هو مَنْع توالد - أو تكاثر - الحشرات النَّاقلة لميكروبات الأمراض؛ كالذباب، والصرصار، والبرغوث، والقَمْل، والنَّاموس، أوِ البعوض؛ وكذلك منع الإنسان من نقل الميكروبات في بيته أو أدوات الطعام من المريض إلى السليم.
ونُضيف إلى ذلك أنَّ الطِّبَّ الوقائي يعتمد أساسًا في منع الأمراض على عاملينِ، أحدهما: التَّوعية الصحيَّة؛ أي: النَّظافة والسلوك الصِّحي، وثانيها: حملات التَّطعيم الشَّاملة.
وبرغم تطور الطب الحديث ورغم الاكتشافات الهائلة التي توصَّلت إليها الإنسانيَّة في هذا التَّطعيم الوَاقي من الأمراض، وما أنفقَتْه من ملايين (الدولارات) في هذا المجال، فما زال الوَعي الصِّحي، والنَّظافة في المقام الأَوَّل من حيث الفاعليَّة في الوقاية من معظم الأوبئة؛ بل إنَّها في معظم الأمراض تغني عنِ التَّطعيم.
وترجع أهميَّة النَّظافة في عصرنا إلى عدَّة أسباب:
منها: أنَّ النظافة - وحدها - تغني عنِ التَّطعيم في منع كثير من الأمراض الوافدة، مثل: الكوليرا، والتَّيفويد، والحُمَّى الصفراء، ومنع انتشارها إذا دخلت، وجميع البلاد المُتطَوِّرة لا تلزم مواطنيها بالتَّطعيم العام من هذه الأمراض؛ إلاَّ عندما يسافرون إلى بلد متخلِّف لا تتوافر فيه النظافة، وتتوطن فيه الأمراض.
ومنها: أنَّ التَّطعيم العامَّ باهظ التَّكاليف أوِ النَّفقات، ولا يخلو منَ الأخطار والمُضاعَفات في بعض الأحيان؛ كما أنَّ كلَّ طعم معيّن يؤثّر أساسًا على مرض معيَّن، أمَّا النَّظافة فهي وقاية من كل الأوبئة مجتمعة.
ومنها: أنَّه رغم التَّطورات العلميَّة الحديثة، فهناك بعض الأوبئة والحميات والأمراض لم يتوصَّل الطب - حتَّى الآن - إلى تطعيم معين ضدها، مثل التهاب الكبد المعدي، والدوسنطاريا، والبلهارسيا... وغيرها كثير، كما أنَّ بعض الطعوم المعروفة، كطعم الكوليرا غير أكيدة الفاعليَّة في الوقاية من المرض، مما جعل الهيئات الصحيَّة تفكر في إلغائها.
من هذا كلِّه نرى أنَّ النَّظافة والوَعْي الصحِّيَّ ما زالت العامل الأوَّل والرَّئيس في مكافحة المرض في جميع بلاد العالم، سواء منها المتطورة أم المختلِّفة.
5:33 م
شارك:

من أنا
0 التعليقات :